بعد 40 سنة خلف القضبان.. رمز فلسطيني يرحل في ظروف غامضة بسجون النمسا
تقرير - بقلم : آدم الصغير – جريدة الأيام نيوز - الجزائرية
2024-09-19
رحل الأسير الفلسطيني عماد عمران، المعروف باسم “توفيق شوفالي”، يوم الجمعة 13 سبتمبر داخل زنزانته في سجن كريمس بالنمسا، لتنتهي بذلك مسيرة طويلة من المعاناة استمرت لأكثر من 40 سنة خلف القضبان، فقد اعتُقل الشهيد عمران سنة 1985 على خلفية دوره في عملية مطار فيينا البطولية، ليصبح رمزاً للصمود الفلسطيني في مواجهة الأسر والقمع. وفاته جاءت في ظروف غامضة لا تزال تثير العديد من التساؤلات حول طبيعة اعتقاله ومعاناته الصحية.
عماد عمران مناضل فلسطيني، شارك في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وكان من منفذي عملية فيينا عام 1985 ردا على مجزرة صبرا وشاتيلا، وقد أصيب أثناء العملية واعتقلته السلطات النمساوية وحكمت عليه بالمؤبد، وأفنى بقية حياته خلف القضبان حتى توفي عام 2024.
وفي 27 ديسمبر 1985، وقع هجوم فدائي جريء في مطار فيينا الدولي، حيث نفذت مجموعة من الفلسطينيين هجوماً على مكتب شركة “العال” الصهيونية. هذا الهجوم كان جزءاً من سلسلة عمليات استهدفت المصالح الصهيونية كرد فعل على سياسات الاحتلال تجاه الفلسطينيين.
الهجوم، الذي استهدف وفداً من المسافرين المتوجهين إلى مستوطنة تل أبيب، أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 39 آخرين بجروح، مما أثار ردود فعل واسعة على الصعيدين المحلي والدولي. ومن بين المشاركين الرئيسيين في هذا الهجوم كان الشهيد عماد عمران، الذي كان يبلغ من العمر عشرين عاماً وقت تنفيذ العملية.
ولِد الشهيد عماد عمران، عام 1965 في الكويت، وتنحدر أسرته من قرية بورين، إحدى قرى جنوب نابلس في الضفة الغربية. وعائلة عمران من العائلات المعروفة في هذه القرية، كان ناشطًا فلسطينيًا بارزًا انخرط في الثورة الفلسطينية منذ شبابه. وتميز بمشاركته في أنشطة ثورية نضالية ضد الاحتلال الصهيوني في الأراضي المحتلة. وفي عام 1985، سعى عمران من خلال هجومه إلى تحقيق تأثير ملموس ضد الاحتلال وتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين، مُبرزًا تضحيات شعبه وصموده.
يحمل عمران توجها قوميا فلسطينيا متأثرا بالتيارات النضالية، يؤمن بالكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، ويعتبر المقاومة المسلحة والرد المباشر على الاحتلال ومجازره وسيلة لتحقيق حرية واستقلال الشعب الفلسطيني، خلال الهجوم البطولي، تعرض عمران لإصابات خطيرة، ومع ذلك، تمكنت الشرطة النمساوية من القبض عليه بعد مطاردة طويلة في شوارع فيينا.
وكانت العملية قد بدأت بتحقيق أمني مكثف في محاولة لاحتواء الأزمة والسيطرة عليها، حيث اندلعت مواجهات بين المنفذين وقوات الأمن، مما أسفر عن وقوع إصابات في صفوف الشرطة أيضًا. وكان عمران ضمن المجموعة التي قامت بتنسيق وتنفيذ الهجوم، وقد كان لهم تأثير كبير على سير الأحداث أثناء العملية.
حكمت محكمة نمساوية على عماد عمران بالسجن المؤبد بعد محاكمة أجريت تحت إجراءات أمنية مشددة، حيث حظيت القضية باهتمام واسع، ليس فقط بسبب البعد النضالي للأحداث، ولكن أيضًا لكونها جزءًا من الصراع الأوسع بين الفلسطينيين والكيان المحتل. وخلال فترة المحاكمة، تصاعد الضغط الدولي على النمسا، من ناحية الفلسطينيين من مجهة ومن ناحية أنصار الصهيونية من جهة ثانية.
رغم أن الحكم بالسجن المؤبد على عماد عمران اعتُبر عقوبة قاسية، إلا أنه لم يكن حالة استثنائية في سياق الصراع الفلسطيني الصهيوني، حيث شهدت ساحات القضاء في دول أخرى محاكمات مشابهة. هذا الأمر يعكس الطبيعة المستمرة والمعقدة للصراع بين أصحاب الأرض والاحتلال الغاشم، وهو صراع تجاوز الحدود الجغرافية ويدخل في نطاق المواجهات القضائية الدولية.
على مدار العقود، ظلت السلطات النمساوية متمسكة برفضها للإفراج عن عمران، رغم تغير الحكومات والسياسات الداخلية، وحتى مع تصاعد الضغوط من منظمات حقوقية ودولية تطالب بإعادة النظر في قضيته، بقيت المواقف الرسمية متصلبة، في إشارة إلى أن القضية كانت مرتبطة باعتبارات سياسية وأمنية أكثر من كونها مجرد مسألة قانونية.
كان من المتوقع أن يُفرج عن عماد عمران بعد قضائه حكم المؤبد، لكن القضاء النمساوي أضاف 19 سنة إضافية بعد إدانته باحتجاز رهائن أثناء محاولة هروب عام 1996، وأدين أيضًا عام 2016 بتهم تهديد حرس السجن. وفي المقابل، أفرجت النمسا عن مصطفى عبد الحميد بدرة، أحد المشاركين في عملية مطار فيينا، بعد 23 سنة من الاعتقال.
وطلبت السلطات تأمين مكان وعنوان ثابت في الأردن لعماد، وعندما تحقق من الطلبات، فوجئ الشهيد برفض الإفراج، قبل وفاته بأسبوعين، أخبرت إدارة السجن أخاه بأنها رفعت طلبا للإفراج عن عماد، وصدر القرار بالفعل ولكن بعد ساعات من وفاته.
كانت قضية عماد عمران من أبرز القضايا التي كشفت عن التحديات الهائلة التي يواجهها الفلسطينيون في ظل النزاعات السياسية الدولية. فهي تجسد قضايا أعمق تتعلق بالعدالة وحقوق الإنسان وإدارة الأزمات الإنسانية. وطوال سنوات سجنه التي امتدت لعقود، عاش عمران في ظروف قاسية خلف القضبان، محروماً من أبسط حقوقه الإنسانية.
ورغم الجهود المتكررة للإفراج عنه، سواء من قبل عائلته أو منظمات حقوقية ودولية، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، مما يعكس التعقيدات السياسية التي أحاطت بقضيته، قضية عمران لم تكن مجرد صراع قانوني، بل تمثل جزءاً من النضال المستمر للفلسطينيين من أجل الاعتراف بحقوقهم ورفع الظلم الذي يعانون منه.
لا بد من الإشارة إلى أن فترة اعتقال عماد عمران لم تكن مجرد سنوات من الحبس، بل كانت رحلة طويلة من المعاناة الشخصية والصحية. فالتقارير التي صدرت لاحقاً كشفت عن أن عمران عانى من تدهور صحي خطير، حيث واجه أمراضاً مزمنة دون أن يتلقى الرعاية الطبية اللازمة.
قبل وفاة عماد عمران بنحو 18 شهرًا، تحدث إلى شقيقه جلال، وأخبره أنه كان بصحة جيدة حينها، دون أي أعراض مرضية. لكن في نهاية أوت الماضي، أبلغ عماد أخاه –جلال عماد- بأنه اكتشف إصابته بسرطان الرئة والكبد. واتهم عماد إدارة السجن بالإهمال الطبي الذي أدى إلى تفاقم حالته، موضحًا أنهم تأخروا في نقله إلى مستشفى المدينة، واستمروا في تقديم الرعاية في مستشفى السجن المحدود الإمكانات.
هذا الإهمال الطبي الذي تعرض له، والذي تفاقم مع مرور الوقت، زاد من حجم المعاناة التي عاشها خلال سنوات سجنه. وقد أصبحت حالته رمزاً للمطالبات الدولية بتحسين الظروف الصحية للمعتقلين الفلسطينيين في السجون الأجنبية، حيث أثارت منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية القضية، مشيرة إلى ضرورة توفير رعاية صحية إنسانية للمعتقلين السياسيين، وخصوصاً في حالاتهم الصحية الحرجة.
وفي النهاية، رحل عماد عمران في زنزانته يوم الجمعة 13 سبتمبر 2024، بعد أكثر من 40 عامًا قضاها خلف القضبان. وجاءت وفاته في ظروف غامضة أثارت العديد من التساؤلات حول الرعاية الصحية التي تلقاها ومدى سلامة ظروف اعتقاله خلال تلك السنوات الطويلة. وبرحيله، طُوي فصل من صراع الفلسطينيين ضد الاحتلال، حيث مثل عمران رمزًا للصمود والتضحية. وكانت وفاته بمثابة تذكير مؤلم بمآسي الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وما يخلفه من ضحايا لم يحصلوا على العدالة أو الرعاية الإنسانية الكافية.
التحقيقات والتقارير اللاحقة حول وفاة عماد عمران أصبحت جزءًا من نقاشات أوسع تتعلق بحقوق الإنسان والعدالة وإدارة الأزمات في السياق الدولي. كما أن وفاته سلطت الضوء على الإشكاليات التي يواجهها الفلسطينيون في سعيهم إلى تحقيق العدالة، وعلى المعاملة التي يتلقونها في السجون الدولية، مما جعلها رمزًا أوسع لمأساة مستمرة ونداءً للتحرك الدولي بشأن حقوق الإنسان.
في النهاية، تجسد قضية عماد عمران إحدى القضايا التي تكشف عن التعقيدات الإنسانية والسياسية للصراعات العالمية. فهي تذكير مؤلم بضرورة التحقيق في الظروف القانونية والإنسانية التي يمر بها الأفراد خلال فترات النزاع، وتدعو إلى تفكير عميق حول كيفية إدارة الأزمات الإنسانية بطريقة تضمن العدالة وتحترم الحقوق الأساسية للجميع. لقد شكلت قصته نداءً ملحًا للعالم بأهمية إصلاح المعايير القانونية والإنسانية لضمان معاملة عادلة لكل من يقع في براثن هذه الصراعات الطويلة والممتدة.