🔴 حين يتحول القيد إلى معنى والحرية إلى قدر:

🔴 حين يتحول القيد إلى معنى والحرية إلى قدر:
في الذكرى الثانية والثلاثين لنادي الأسير الفلسطيني"

عيسى قراقع

من قلب الزنازين انطلقت الفكرة، ومن رحم القيد تولد الحلم. قبل اثنين وثلاثين عامًا، حين كان الأسرى يحفرون في الجدران أسماءهم ويخطّون على الورق المهرب أحلامهم، وُلد نادي الأسير الفلسطيني. لم يكن مؤسسة عادية، بل بيتًا جامعًا لكل أسير، ملاذًا لعائلاتهم، وصوتًا للشارع الفلسطيني الذي حمل الأسرى في قلبه كما يحمل القلب نبضه.
 "الحرية ليست غياب السلاسل فحسب، بل حضور الكرامة."
هكذا علّمنا الأسرى، وهم يواجهون منظومة السجن بصدور عارية وإرادة أصلب من الجدران، وعلى  هذه المبادئ انطلقنا عام 1993، ومن جامعة بيرزيت ،اعلنا عن إطلاق جمعية نادي الأسير الفلسطيني، مؤسسة لحراسة الإنسان وانسانيته من جرائم الاحتلال خلف القضبان.

صار النادي بيتًا لا يُغلق بابه، مفتوحًا بدموع الأمهات وابتسامات الأطفال على أبواب السجون، وصار جدارًا يستند إليه الأسرى حين حاول الاحتلال إسقاطهم في العزلة. ومنذ لحظته الأولى، رفع النادي شعار كسر القيد، وأعلن أن حرية الأسرى ليست قضية داخلية فلسطينية فحسب، بل قضية إنسانية عالمية، وأن الأسرى هم رسل الحرية إلى الضمير البشري بأسره.

 كان المناضل نيلسون مانديلا حاضرا في وعي نادي الأسير وهو يقول: "إن الحرية لا تُمنَح على جرعات، فالإنسان إما أن يكون حرًا كاملًا أو لا يكون." وان الحرية لا تعطي، بل تنتزع انتزاعا، وكان القائد الأسير مروان البرغوثي راعيا للنادي منذ البدايات وهو القائل: إذا كان ثمن حرية شعبي، هو فقدان حريتي، فسادفع هذا الثمن.

ليست قضية الأسرى أجندة ثانوية، وليست مجرد تعاطف هنا وهناك، بل هي أساس الصراع، المقاومة في سبيل الحرية وحق تقرير المصير، والأسرى رموزا حملوا الأرواح، وضحوا من أجل أن نحيا بشرف وكرامة، كان هذا صوت نادي الأسير الفلسطيني، صوت فضح منظومة القمع الصهيونية في كل مكان، صوت انتصر لإرادة الحرية في مواجهة الجلاد.

وهنا، يتبدى النادي كأنه محكمة شعبية تُحاكم الاحتلال أمام ضمير البشرية:
يا بيتًا خرج من رحم القيد،
يا صرخةً صارت مؤسسة،
ثم كبرت لتغدو هيئةً من ضمير،
منصةً تضع الجلاد في قفص الاتهام،
وتُعلن الحكم بصوت الأمهات ودموع الأطفال.
كل شهيد خلف القضبان شاهد،
وكل أسير جريح شاهد،
حتى صار نادي الأسير ذاكرةً تُدين وتوثّق،
وصوتًا يحاكم الظالم أمام العالم.

أن جمعية نادي الأسير الفلسطيني تختلف عن كل المؤسسات ، أنها في الشارع بين الناس ،لا تكتفي بالتقارير والبيانات والادانات، تجدها في الحارات، وفي كل بيت، في الساحات وميادين الاعتصامات، تسمع الالم وتحوله إلى صرخة، وترى الضحية وتحوله إلى بطل لا يستجدي الشفقة، ولا ينحني للسجان.

واليوم، في ظل حرب الإبادة على غزة، يواجه الأسرى أشد الهجمات وحشية منذ عقود. السجون تحولت إلى مقابر مغلقة، يمارس فيها الاحتلال سياسة التجويع، التعذيب، الإهمال الطبي، والعزل المطلق، الاخفاء القسري، في محاولة لإبادة الحركة الأسيرة جسديًا ومعنويًا. وهنا يقف نادي الأسير في خط المواجهة، يصرخ باسم الأسرى، يوثّق الجريمة، يفضح المنهجية، ويحوّل الألم إلى نداء عالمي: "أوقفوا إبادة الأسرى الفلسطينيين"، أوقفوا وحشية هذا المحتل الذي يستفرد بالأسرى انتقاما وتدميرا، تجويعا واذلالا، اعدامات واعتداءات جنسية، وفاشية ابادية، تشكل عارا للانسانية وتحديا لكل القيم  والمبادئ الدولية.

نادي الأسير الذي يتكامل في عمله مع سائر المؤسسات الحقوقية ، المحلية والدولية ، ويعتبر أن قضية الأسرى هي قضية البشرية جمعاء ومن مسؤولية المجتمع العالمي، والذي يقف الان أمام اختبار تاريخي لوقف الإبادة الصامتة في السجون، والإبادة الدموية بالقنابل والصواريخ في قطاع غزة.

في هذه الذكرى ، وبعد كل هذه السنوات من العطاء، تستحق مؤسسة نادي الأسير أن نطلق عليها: جدار الارادة في مواجهة جدار السجان، وبيت الحرية وصون كرامة الانسان، لانها رفضت بإصرار كل محاولات تجريم نضال الاسرى ووصفهم بالإرهاب ، ولأنها ترى حرية الاسرى جزء أساسي من حرية الشعب الفلسطيني وتفكيك الاستعمار، ولأنها تزرع الامل وسط الخراب، والفرح القادم وسط الالام، وتتمثل بقول الشهيد الرئيس ابو عمار: يرونها بعيدة ، ونراها قريبة، وانا لصادقون، 

في دفاتر نادي الأسير، كتب الفيلسوف ألبير كامو: "في أعماق الشتاء، اكتشفت أن في داخلي صيفًا لا يُقهَر."
ذلك الصيف هو روح الأسرى، التي تجعل من السجن شتاءً بلا نهاية، لكنه لا يقتل الأمل، وعلى يافطات المعتصمين أمام الصليب الأحمر الدولي، كتب الشهيد الأسير وليد دقة: حرروا الاسرى الشهداء، حرروا الشهداء الاسرى، لا تسمحوا لهم أن يكتبوا السطر الاخير.

إن مرور 32 عامًا على تأسيس نادي الأسير ليس مناسبة للاحتفال فحسب، بل لتجديد العهد:
أن يبقى النادي بيتًا جامعًا لكل أسير وأسرته.
أن يبقى صدى الشارع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.
أن يظل منبرًا للعالم، يرفع صوت الأسرى فوق جدران السجن وأسلاك الاحتلال.

الأسرى ليسوا أرقامًا، بل هم رواة الحرية، وحملة الحلم، وبناة الغد. ونادي الأسير سيظل شاهدًا حيًا على أن القيد مهما اشتد، فإن الحرية أقرب، وأن فلسطين لن تكون حرة إلا بتحرير أسرى الحرية.

وكما قال أنطونيو جرامشي من سجنه: "تشاؤم العقل… تفاؤل الإرادة."
وهذا هو جوهر الحركة الأسيرة: وعيٌ بفظاعة الواقع، وإيمانٌ لا يتزحزح بأن الغد سيأتي.

وفي هذه الذكرى، نقف إجلالًا لكل من عمل في نادي الأسير، أحياءً كانوا أو شهداء، أو أسرى ما زالوا خلف ظلمات السجون، جميعهم كانوا أوفياء لقضية الحرية والإنسانية، وحملوا همّ الأسرى كأمانة لا تسقط بالتقادم.

من عمل مع النادي عرف وجه الأمهات المبلل بالدموع، وسمع أنين الأطفال على أبواب السجون، وعاش معنى الحكم بالمؤبد وكأنه حكم على الوطن كله. ومن سار في درب النادي أدرك أن الصبر الفلسطيني ليس استسلامًا، بل عزيمة، وأن التحدي ليس خيارًا، بل قدرًا في مواجهة القيد والإصرار على الحرية.

من عمل في نادي الأسير عرف حكايات شعب لا يعرفها الكثيرون: المقاومة ضد الانتظار، المقاومة ضد زمن يدور في الفراغ، الأنتصار على فكرة العدم والفناء، أن تجعل كل يوم في القيد يوما إضافيا للحرية، ونافذة للهواء.

وفي هذه المناسبة، اقول لصديقي قدورة فارس، مؤسس النادي وصاحب جمرته المتقدة خلف القضبان: كنت صادقا ونبيا، عندما قلت: لا شيئ مستحيل، أننا نستطيع أن نبني مقابل جدار السجن، جدارا للحلم والكرامة، أوسع من الزنزانة، واكبر من الخوف والصمت، كنت اكبر من سجانك وأكثر حرية.

ولكل الاصدقاء والزملاء الذين لازالوا على نفس الدرب، يعملون بحب وبجهود عظيمة في نادي الاسير، يواصلون الليل بالنهار، حراس الحق والحقيقة، يستحقون التقدير والتحية، في دفاعهم عن أسمى واغلى قضية: الاسرى وأهاليهم ، قضية الحرية والخلاص من براثن الاحتلال، يحفرون وعد الحرية بين الأسلاك ولا يتعثرون.

النادي اليوم يواصل المسيرة، يصرخ في وجه العالم، يطرق أبواب الأمم، ويفضح جرائم الاحتلال في المحافل الدولية. هو شاهد حيّ على صمود شعب لا ينهزم، وصوت مقاومة لا يصمت، وجدار من ضمير إنساني لا يسقط مهما اشتدت الريح.
من قلب الارض المحتلة،
ولدت مؤسسة من أحشاء الزنازين،
لم تولد من مكاتب،
بل من عتمة رطبة،
من صرخة مكتومة،
من اسماء على الجدران محفورة،
مطرقة تدق على أبواب الحديد،
هي فلسطين،
رواية وهوية وذاكرة.


العودة للقائمة