في الذكرى الثانية والثلاثين لتأسيس نادي الأسير الفلسطيني بقلم: الأسير المحرر، عضو المجلس الثوري لحركة فتح زكريا الزبيدي 

في الذكرى الثانية والثلاثين لتأسيس نادي الأسير الفلسطيني
بقلم: الأسير المحرر، عضو المجلس الثوري لحركة فتح زكريا الزبيدي 
(والد الشهيد محمد، وشقيق الشهداء والأسرى)

ثلاثة عقود ونيّف مرّت على تأسيس نادي الأسير الفلسطيني، وما زالت هذه المؤسسة الوطنية تمشي في خط النار، تحمل عبء القضية الأشدّ ألمًا والأكثر قداسة، قضية الأسرى الذين هم، بحق، نبض الحركة الوطنية وقلبها الحيّ. هذه الذكرى ليست مجرد مرور للزمن، بل وقفة صمود في وجه العتمة، وبيان وفاء لأولئك الذين غابوا خلف القضبان ولم يغيبوا عن الذاكرة.
لقد كنتُ أحد هؤلاء، ممن قضوا سنوات من أعمارهم داخل الزنازين، وعشتُ التجربة بكل ما فيها من قهر وألم وصمود. رأيتُ بأم عيني كيف يُصنع الإنسان من وجعه، وكيف يتحوّل الجرح إلى راية، والخسارة إلى إيمان لا يتزعزع. واليوم، أكتب لا بصفتي فردًا، بل بصفتي امتدادًا لعائلة قدّمت الشهيد تلو الشهيد، وما زال بعض أبنائها يواجهون بطش الاحتلال في الزنازين، وأبٌ لروحٍ طاهرة اسمها محمد، ارتقت فداءً لهذا الوطن.
في قلب هذه المسيرة، وقف نادي الأسير الفلسطيني كأحد الأعمدة الراسخة التي لم تهتز، رغم الرياح السياسية العاتية، ورغم محاولات الإقصاء والتهميش، ورغم كل ما أحاط ويحيط بقضية الأسرى من تحديات. لم يكن نادي الأسير مؤسسة عملها ينحصر في الأرقام والتوثيق، بل كان بيتًا للأحرار، ومدرسة للصمود، ومنبرًا للذين لا صوت لهم.
لقد حمل النادي همّ الأسرى وأهاليهم في أحلك الظروف، حين كان مجرد الحديث عن الأسير يُعد "إحراجًا" في بعض المنابر، وكان الدفاع عنهم مخاطرة سياسية. لم يتخلَّ يومًا عن قضيته المركزية، ولم يُساوم على وجع الأسرى، ولم يُجامل على حساب الحقيقة.
إن هذا الدور لم يكن تقنيًا ولا إداريًا، بل نضاليًا بامتياز. فحين تنهار المعنويات، كان نادي الأسير يُعيد ترتيب الذاكرة الجمعية. وحين يغيب الأسير خلف بوابات السجن لعقود، كان النادي يُعيد اسمه إلى صدر الوطن، وإلى صدر الأم التي لا تملّ الانتظار.
نادي الأسير هو ذاكرة الحركة الوطنية، ومرآة واقعها. فمن خلاله نقرأ خريطة التضحيات، وتفاصيل المعاناة، وتاريخ المواجهة بين الأسرى وسجّانيهم. هو المؤسسة التي لم تهادن، ولم ترفع الراية البيضاء، بل ظلت تقاتل بالكلمة، بالقانون، بالتوثيق، وبالصرخة، في كل محفل محلي ودولي.
إن استمرارية هذا النادي ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. فقضية الأسرى ليست شأنًا عائليًا، ولا قطاعًا منقطعا عن الجغرافيا الفلسطينية، بل هي لبّ المشروع الوطني، وهي الامتحان الحقيقي لمدى وفائنا لتضحيات هؤلاء الأبطال. ومن يحاول أن يُقصي قضية الأسرى أو يُجمّدها في الزمن، إنما يُفرغ النضال الفلسطيني من معناه الحقيقي.
كأسير محرر، وكأب شهيد، وكشقيق لأسرى وشهداء، أجد في هذه الذكرى دعوة لتجديد العهد مع من لا يزالون خلف القضبان، ومع كل من ساروا على درب الحرية، وارتقوا في سبيلها. هي مناسبة للقول إن نادي الأسير، ليس مؤسسة للأرشفة فقط، بل خط دفاع أول عن كرامة هذا الشعب، وعن تاريخه النضالي.
وأخيرًا، أقول: إن كنّا نُطالب بحرية أسرانا، فعلينا أن نحمي مؤسساتهم، وعلى رأسها نادي الأسير. فهذه المؤسسة لم تتاجر بدماء الشهداء، ولم تُزايد على أحد، بل كانت وما زالت بيتًا للوجع الفلسطيني، ومحرابًا للوفاء الحقيقي.
الحرية لأسرانا، المجد لشهدائنا، والخلود لمن جعلوا من وجعهم جسورًا للكرامة الوطنية.


العودة للقائمة