في اليوم العالميّ لمساندة ضحايا التعذيب
أعداد الشهداء بين صفوف الأسرى والمعتقلين منذ بدء حرب الإبادة نتيجة عمليات التّعذيب هو الأعلى في تاريخ الحركة الأسيرة
26/6/2024
رام الله - قالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطينيّ، إنّ أعداد الشهداء بين صفوف الأسرى والمعتقلين في سجون ومعسكرات الاحتلال الإسرائيليّ الذين ارتقوا نتيجة للتعذيب هو الأعلى في تاريخ الحركة الأسيرة وذلك استنادًا لعمليات التوثيق المعتمدة لدى المؤسسات المختصة منذ عام 1967، مع التأكيد على أنّ منظومة الاحتلال الإسرائيليّ انتهجت جريمة التّعذيب بحقّ الأسرى والمعتقلين منذ احتلالها لأرض فلسطين، وقد بلغ عدد الشهداء الذين أعلنّ عنهم منذ بدء حرب الإبادة من قبل المؤسسات المختصة (18) شهيدًا على الأقل، إلى جانب العشرات من معتقلي غزة الذين ارتقوا في سجون ومعسكرات الاحتلال، ولم يفصح عن هوياتهم.
وأضافت الهيئة والنادي بمناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التّعذيب والذي يصادف السادس والعشرين من حزيران/ يونيو من كل عام، إنّ جريمة التّعذيب كسياسة شكّلت أساساً للبنية الاستعمارية الإسرائيليّة، وقد مارس الاحتلال هذه الجريمة كنهج، وعمل على تطوير العديد من الأدوات والأساليب لترسيخها، وتعدّت التّعريف عبر هذه الأساليب الذي اعتمدته المنظومة الحقوقية الدّولية لجريمة التعّذيب، والمتمعن في تفاصيل الظروف والحياة الاعتقالية التي يعيشها الأسرى والمعتقلون منذ عقود في سجون الاحتلال الإسرائيليّ، وكذلك سياقات السّياسات، والجرائم، والانتهاكات الجسيمة، فإنّ كل حقّ أقرته المنظومة الدّولية للأسرى، عمل الاحتلال على تحويله إلى أداة تعذيب، عبر سلب الأسير هذا الحقّ وحرمانه منه بشتى الوسائل.
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية بحقّ شعبنا في غزة ومع تصاعد عمليات الاعتقال التي طالت أكثر من (9400) مواطن من الضّفة، إلى جانب الآلاف من المواطنين من غزة، والمئات من فلسطيني الأرض المحتلة عام 1948، تصاعدت عمليات التّعذيب بشكل غير مسبوق في مستواها وكثافتها، والتي عكستها عشرات الشهادات التي تابعتها المؤسسات المختصة، هذا إلى جانب صور المعتقلين الذين يتم الإفراج عنهم والتي شكّلت شاهد إضافي.
وقد تضمنت شهادات المعتقلين، أساليب التّعذيب النفسيّ والجسديّ، التي تبدأ فعليًا منذ لحظة الاعتقال الأولى من خلال طريقة الاعتقال الوحشية وعمليات الترهيب الممنهجة، والضرب المبرّح، والتقييد الذي يتعمدوا من خلاله التسبب بألم شديد في أطراف المعتقل، إضافة إلى عمليات الشبح، والاحتجاز في معسكرات ومراكز توقيف وتحقيق في ظروف مذلّة ومهينة وحاطّة بالكرامة الإنسانية، وتوجيه الشتائم والكلمات النابية التي تمس المعتقلين وعائلاتهم، والتّحقيق معهم لمدد طويلة وحرمانهم من النوم، إلى جانب الاعتداءات الجنسيّة بما فيها جرائم الاغتصاب، وقد تسببت عمليات الضرب المبرّح والتّعذيب الشديد إلى جانب استشهاد أسرى ومعتقلين، بإصابة المئات من المعتقلين بكسور تحديدًا في الأضلاع، وتركهم دون علاج.
ونذكر هنا قضية الشهيد الأسير ثائر أبو عصب من قلقيلية الذي ارتقى في الثامن عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، نتيجة للضرب المبرّح المتواصل، حيث ارتقى أمام رفاقه بحسب عدة شهادات وثقتها المؤسسات، كذلك الشّهيد عبد الرحمن مرعي من سلفيت الذي ارتقى في الثالث عشر من تشرين الثاني / نوفمبر 2023.
وشكّلت روايات وشهادات معتقلي غزة، المحطة الأبرز في عكس تصاعد مستوى جرائم التّعذيب، وكان معسكر (سديه تيمان) عنوانًا لجرائم التّعذيب، وهو يشكّل محطة واحدة من سلسلة سجون ومعسكرات أخرى، ونذكر في هذا الإطار سجن (النقب) الذي لا تقل فيه مستوى الشهادات حول التّعذيب والتي حصلت عليها المؤسسات من المعتقلين والمفرج عنهم، عن مستوى شهادات المعتقلين في معسكر (سديه تيمان)، وقد يكون هناك سجون سرّية غير معلنة يمارس فيها الاحتلال عمليات تعذيب وقتل بحقّ الأسرى والمعتقلين.
تؤكّد هيئة الأسرى ونادي الأسير، أنّ كافة الإجراءات الانتقامية التي فُرضت على الأسرى منذ حرب الإبادة والتي مسّت بجميع فئات المعتقلين بما فيهم النساء والأطفال، وأبرزها جريمة التّجويع، والجرائم الطبيّة الممنهجة، والعزل الجماعيّ، والحرمان من كافة الحقوق التي تشكل أساساً للحفاظ على حياة المعتقل وكرامته؛ ما هي إلا جزء أساسيّ من أساليب التّعذيب الممنهجة.
ونشير هنا إلى الكيفية التي حوّل الاحتلال فيها مرض (الجرب- السكايبوس) إلى أداة للتنكيل وتعذيب الأسرى جسديا من خلال حرمانهم من العلاج، والإبقاء على المسببات الأساسية لانتشار المرض بين صفوف الأسرى وتحديدًا في سجن (النقب).
ولم يوفر الاحتلال أي وسيلة من أجل إذلال الأسرى وتعذيبهم، حتى حوّل حقّ الأسير بزيارة المحامي، إلى أداة تعذيب وإذلال من خلال قيام وحدات القمع بالاعتداء على الأسير خلال نقله، وفي أماكن محددة لا تتوفر فيها كاميرات، وقد تصاعدت هذه السياسة بشكل كبير في سجن (النقب).
ونشير هنا إلى سلسلة مقاطع الفيديو والصور التي نشرها جيش الاحتلال منذ بدء حرب الإبادة، والتي تضمنت مشاهد يقوم بها جنود الاحتلال بضرب وتعذيب المعتقلين وهم عراة بشكل كامل، واحتجازهم في ظروف حاطّة بالكرامة الإنسانية ومذلة ومهينة، عدا عن صور معتقلي غزة التي نشرها الاحتلال خلال الاجتياح البري.
ونستعرض هنا بشكل مقتضب بعض الشهادات التي عكست عمليات التّعذيب الممنهجة، وأبرزها شهادة المعتقل الصحفي محمد عرب في معسكر (سديه تيمان) الذي تمكّن المحامي من زيارته مؤخرًا.
"تبقي إدارة معسكر (سديه تيمان) المعتقلين مقيدين على مدار 24 ساعة، ومعصوبي الأعين، فمنذ أكثر من خمسين يومًا لم يبدل محمد ملابسه، وقبل الزيارة فقط سُمح له باستبدال بنطاله، بينما بقي بسترة لم يستبدلها منذ خمسين يومًا."
"يتعرض المعتقلون لعمليات تعذيب، وتنكيل، واعتداءات بمختلف أشكالها ومنها اعتداءات جنسية، ومنها عمليات اغتصاب، والتي أدت مجملها إلى استشهاد معتقلين، كما أنّ عمليات الضرّب، والتّنكيل، والإذلال، والإهانات لا تتوقف، ولا يُسمح لأي معتقل الحديث مع أي معتقل آخر، ومن يتحدث يتم الاعتداء عليه بالضرّب المبرّح، حتى أصبح المعتقلين يتحدثون مع أنفسهم، ويستمرون بالتسبيح والدعاء في سرهم، وهم محرومون من الصلاة، ومن ممارسة أي شعائر دينية، فهم محاطون بالكلاب البوليسية على مدار الوقت، ويُسمح لكل أربعة معتقلين استخدام دورة المياه لمدة دقيقة، ومن يتجاوز الوقت يتعرض (للعقاب)، وينامون على الأرض، ويستخدمون أحذيتهم كمخدات للنوم، وبالنسبة للاستحمام فإنّ الوقت المتاح مرة واحدة في الأسبوع لمدة دقيقة، ويُمنع النوم خلال النهار، أما على صعيد الطعام فهو عبارة عن لقيمات من اللبنة، وقطعة من الخيار أو البندورة وهي الوجبة التي تقدم لهم على مدار الوقت، كما أن العديد من المرضى والجرحى بُترت أطرافهم، وتمت إزالة الرصاص من أطرافهم دون تخدير."
وفي شهادة مجموعة من الأسرى في معتقل (عصيون) الذي شكّل كذلك محطة لجرائم التّعذيب والإذلال، "تعرض أحد الأسرى المرضى للإغماء عدة مرات، فقام الاسرى بالنداء على الجنود لمساعدته إلا أنهم قاموا باقتحام الغرف وضربهم والقاء اغطيتهم خارج الغرف واجبارهم على خلع ملابسهم وتركهم في البرد الشديد كعقاب لهم وهم عراه، وكان رد إدارة السّجن بعد ذلك (خليه يموت).
ومن ضمن شهادات المعتقلين عن لحظة الاعتقال ذكر المعتقل (ط.ه)، " أن قوة من جيش الاحتلال داهمت منزل عائلته منتصف الليل، وقاموا بصفعه وتقييده للخلف وعصب عينيه وإجباره على الجلوس على ركبتيه في السيارة العسكرية لمدة أربع ساعات، وقاموا بجره من القيود المربوطة خلف يديه بكل قوة، مما أدى إلى سقوطه من السيارة العسكرية، ثم تعمد الجنود بضربه واستمروا بذلك حتى تمزقت ثيباه وسالت الدماء من جسده"
وفي شهادة لإحدى الأسيرات ذكرت:" لقد تم تهديدي بأن يتم اغتصابي، وجدد المحقق تهديده لي بالاغتصاب، وأنه سيتم سجني لسنوات، وشتموني بأقذر الشتائم، وطوال الوقت تم تقيدي بقيود مزدوجة بالأيدي والأرجل وكانت محكمة بشدة، وتم منعي من الذهاب لاستخدام دورة المياه، وقاموا بتصويري دون إذن، كما تعرضت للتفتيش العاري، ووضعي في ظروف احتجاز قاسية جدًا في سجن (هشارون)، وتعمدت السجانات وضع ملابسي على باب الحمام، وكان هناك صعوبة بالغة في جلبها بعد التفتيش لوجود سجانين بالخارج".
تجدد هيئة الأسرى ونادي الأسير مطالبتهما بضرورة فتح تحقيق دولي محايد بشأن الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي مورست بحقّ المعتقلين والأسرى في سجون ومعسكرات الاحتلال، كوجه من أوجه الإبادة المستمرة بحقّ شعبنا في غزة، وذلك على الرغم من الصورة القاتمة التي تلف المنظومة الحقوقية الدّولية، وحالة العجز المرعبة التي سيطرت على صورتها، أمام الجرائم والفظائع التي مارسها الاحتلال منذ بدء حرب الإبادة حتى اليوم، والتي تشكل في جوهرها مساسًا بالإنسانية جمعاء.
ويبلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال حتى بداية حزيران/ يونيو 2024، أكثر من 9300 أسير، من بينهم أكثر من 3400 معتقل إداري.
(انتهى)