في أعقاب إعلان الاحتلال عن استمراره في احتجاز جثامين 1700 شهيد
جريمة الإبادة لا تتوقف عند قتل الفلسطيني، بل تمتد إلى ما بعد الموت
-13/8/2026
قال نادي الأسير الفلسطيني والحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، إن ما كشفته صحيفة "هآرتس" العبرية، بشأن اعتراف سلطات الاحتلال باحتجاز جثامين نحو 1700 شهيد فلسطيني، بين جثامين محتجزة في القبور وأخرى في الثلاجات، يكشف مجددًا عن حجم واتساع سياسة احتجاز جثامين الشهداء، باعتبارها إحدى أدوات السيطرة والعقاب الجماعي التي يمارسها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني.
وأوضح النادي والحملة أن هذا الاعتراف ليس الأول من نوعه، فمنذ بدء حرب الإبادة الجماعية، أعلنت سلطات الاحتلال، في مناسبات مختلفة، أرقامًا متباينة بشأن أعداد جثامين الشهداء الفلسطينيين المحتجزة لديها، من بينهم نساء وأطفال وأسرى ومعتقلون.
وأشارا إلى أن أحد الاعترافات السابقة تحدث عن احتجاز نحو 1500 جثمان، ورغم إتمام صفقات تبادل، كان آخرها في تشرين الأول/أكتوبر 2025، والتي تضمنت تسليم جثامين عدد من الشهداء، فإن الرقم المعلن حديثًا يعكس ارتفاعًا جديدًا في أعداد الجثامين المحتجزة، بما يشمل مختلف الجغرافيات الفلسطينية.
وأكدا أن هذا الارتفاع لا يمكن فصله عن سياق جريمة الإبادة الجماعية التي يواصل الاحتلال ارتكابها، وما رافقها من عمليات قتل واسعة، وإخفاء قسري، ووجود آلاف المفقودين، ولا سيما في قطاع غزة.
وشددا على أن احتجاز الجثامين ليس إجراءً منفصلًا عن منظومة الجريمة، بل سياسة ممنهجة تستخدم فيها سلطات الاحتلال جثمان الشهيد كأداة لمعاقبة الأحياء، والضغط على عائلاتهم، والمساومة، وحرمانهم من أحد أبسط حقوقهم الإنسانية: وداع أبنائهم ودفنهم بكرامة.
وأضافا أن خطورة الرقم المعلن لا تكمن في حجمه فحسب، وإنما في دلالته على اتساع نطاق هذه السياسة واستمرارها، وفي حقيقة أن سلطات الاحتلال تواصل إخضاع جثامين الشهداء لمنظومة من القيود والإجراءات التي تمتد آثارها إلى العائلات الفلسطينية، وتبقيها في حالة من الانتظار والفقد المفتوح.
سياسة تتجاوز الموت
وأكد نادي الأسير والحملة أن قضية احتجاز جثامين الشهداء ليست ممارسة جديدة، وإنما سياسة ممتدة منذ أكثر من خمسة عقود، إلا أنها وصلت في المرحلة الراهنة إلى مستوى غير مسبوق، سواء من حيث أعداد الجثامين المحتجزة أو المدة التي تُحرم خلالها العائلات من استرداد جثامين أبنائها.
ولفتا إلى أن الأرقام المتداولة حول أعداد الجثامين تبقى تقديرية، في ظل استمرار جريمة الإبادة في قطاع غزة، ووجود آلاف المفقودين، واستمرار جريمة الإخفاء القسري، الأمر الذي يجعل الكشف عن الأعداد الحقيقية ومصير الضحايا مهمة عاجلة وضرورية.
وكانت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات فلسطينية قد نشرت ورقة حقائق بمناسبة اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء، الذي يصادف 27 آب/أغسطس من كل عام، تناولت فيها ما وصفته بـ"سياسات السيطرة على الموت" التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي.
وأوضحت الورقة أن احتجاز الجثامين يمثل أحد أبرز أشكال "سياسات الموت"، من خلال استخدام الجسد بعد الوفاة كوسيلة للهيمنة والقمع، وحرمان العائلات من الحداد العلني، وإبقائها في انتظار طويل لاسترداد جثامين أبنائها.
ولا تتوقف هذه السياسة عند احتجاز الجثمان، إذ تفرض سلطات الاحتلال، في حالات عديدة، شروطًا قاسية عند تسليم الجثامين، من بينها الدفن ليلًا، وتقييد عدد المشاركين، وفرض حضور أمني مكثف، بما يحوّل حتى مراسم الوداع والدفن إلى مساحة إضافية للسيطرة والقمع.
من ممارسة عسكرية إلى منظومة متكاملة
وأوضح مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، الذي يتولى المتابعة القانونية لهذا الملف، أن المسار التاريخي لسياسة احتجاز الجثامين يكشف انتقالها من ممارسة عسكرية غير منتظمة إلى سياسة متجذرة في منظومة الاحتلال القانونية والقضائية والتشريعية.
فمنذ عام 1967، دُفن آلاف الفلسطينيين في ما يعرف بـ"مقابر الأرقام" السرية. وفي عام 2004، صدر توجيه قيّد هذه الممارسة مؤقتًا، قبل أن تعود بقوة عام 2015، استنادًا إلى أنظمة الطوارئ البريطانية لعام 1945.
وفي عام 2017، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بعدم وجود أساس قانوني لاحتجاز الجثامين، إلا أنها أرجأت تنفيذ القرار، مانحةً الحكومة فرصة لسن تشريع يوفر غطاءً قانونيًا لهذه الممارسة. وفي عام 2018، عدّل الكنيست ما يسمى قانون مكافحة الإرهاب، بما منح الشرطة صلاحية رسمية لاحتجاز الجثامين.
وفي عام 2019، تراجعت المحكمة عن قرارها السابق، وأجازت، في رد على إلتماس لمركز القدس، احتجاز الجثامين لأغراض "المساومة"، قبل توسيع نطاق السياسة عام 2020 لتشمل جميع الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات.
وبذلك، تحولت ممارسة بدأت كإجراء عسكري يفترض أن يكون مؤقتاً إلى سياسة ممنهجة، يجري تثبيتها عبر الأوامر العسكرية والتشريعات والقرارات القضائية، بما يعكس إصرار منظومة الاحتلال على تحويل جثمان الشهيد إلى أداة للسيطرة والعقاب والمساومة حتى بعد انتهاء حياته.
"حداد معلّق". عقاب يمتد إلى عائلات الشهداء
وقال النادي والحملة في هذا الإطار إن احتجاز الجثامين يخلّف آثارًا إنسانية ونفسية عميقة على عائلات الشهداء، إذ تبقيها سلطات الاحتلال في حالة من "الحداد المعلّق"، حيث لا تستطيع العائلة معرفة مصير جثمان ابنها أو وداعه ودفنه، بما يحرمها من حق إنساني أصيل في إتمام طقوس الفقد والحزن.
وفي حالات عديدة، تُسلّم الجثامين وهي مجمّدة أو تحمل آثار إصابات وتشويه، الأمر الذي يضاعف من صدمة العائلات، ويحرمها من فرصة وداع أبنائها في ظروف تحفظ كرامتهم.
كما تفرض سلطات الاحتلال، في حالات مختلفة، شروطًا قاسية لاسترداد الجثامين ودفنها، بما في ذلك كفالات مالية مشروطة، والدفن ليلًا، وتقييد عدد المشيعين، أو نقل الجثمان إلى أماكن بعيدة عن العائلة.
وهكذا، لا تنتهي الجريمة بمقتل الفلسطيني، بل يستمر العقاب بعد موته، ويصبح جسده أداة لمعاقبة عائلته وإذلالها، بينما يتحول الموت نفسه إلى مساحة جديدة لممارسة السيطرة والقهر.
انتهاك للكرامة الإنسانية والقانون الدولي
وشدد النادي والحملة على أن احتجاز جثامين الشهداء يمثل انتهاكًا جسيمًا للكرامة الإنسانية، ويثير جملة من الانتهاكات في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الالتزامات المتعلقة باحترام الموتى، ومعاملة الجثامين بكرامة، واحترام الحياة الأسرية والمعتقدات والممارسات الدينية للعائلات.
كما أن استمرار احتجاز هذا العدد الكبير من الجثامين، بالتزامن مع وجود آلاف المفقودين في قطاع غزة، يستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا للكشف عن مصير المفقودين، وتحديد هويات الضحايا، وضمان استرداد جثامين الشهداء وتسليمها إلى عائلاتهم.
وأكدا أن 1700 جثمان ليست مجرد أرقام، وإنما 1700 قصة فقد و1700 جريمة تصفية، وعائلة حُرمت من حقها في الوداع والدفن والحداد، وأن استمرار احتجازها يكشف أن منظومة الاحتلال لا تتعامل مع الموت بوصفه نهاية للجريمة، بل توظفه أداة لاستمرار السيطرة والعقاب.
وعليه، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بتوثيق أعداد الجثامين المحتجزة، وإنما إنهاء هذه السياسة، ومحاسبة المسؤولين عنها، والكشف عن مصير جميع المفقودين، والإفراج عن جثامين الشهداء وتسليمها إلى عائلاتهم، وإنهاء استخدام جثامين الموتى كأداة للعقاب الجماعي والمساومة.
معطيات حول قضية الشهداء المحتجزين لدى الاحتلال
توثق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء احتجاز جثامين 800 شهيد في مقابر الأرقام وثلاجات الاحتلال، منهم:
• 256 شهيدًا في مقابر الأرقام.
• 544 شهيدًا منذ عودة الاحتجاز عام 2015.
• 99 شهيدًا من الحركة الأسيرة.
• 83 طفلًا تقل أعمارهم عن 18 عامًا.
• 10 شهيدات.
في ما يخص الجثامين في قطاع غزة، وثقت الحملة تسليم جثامين 930 شهيدًا من قطاع غزة حتى تاريخ 4/2/2026، جزء منهم سُلّم قبل الصفقة، وكان من بينهم جثامين سُرقت من المقابر ومستشفى الشفاء، إضافة إلى ذلك سلّمت سلطات الاحتلال 66 صندوقًا تضم أشلاء بشرية.
نادي الأسير الفلسطيني
الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء