عشية اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء 27 آب/ أغسطس

عشية اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء 27 آب/ أغسطس

حرروا جثامين الشهداء الأسرى... حرروا الشهداء الأسرى

    بعد عقود من الاحتلال، وبعد نحو ثلاثة أعوام على بدء جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، لا تزال قضية احتجاز جثامين الشهداء، إلى جانب قضية المفقودين، واحدة من أكثر تجليات الجريمة قسوة وثقلاً، باعتبارها لا تتصل فقط بالموت وما يترتب عليه من فقد، وإنما بما يفرضه الاحتلال من استمرار للسيطرة على الضحية وعائلته حتى بعد استشهاده. فالجثمان، الذي يفترض أن يكون حقًا مصانًا لعائلته، يتحول في هذه الحالة إلى أداة إضافية "للعقاب" والإذلال والمساومة، فيما تبقى عائلات الشهداء عالقة في انتظار لا ينتهي، بين غياب اليقين وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية في معرفة مصير أبنائها ووداعهم ودفنهم.

وعشية اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء، أكدت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى، أن المعطيات المتوفرة، في ضوء ما كشفته وسائل إعلام إسرائيلية عن احتجاز جثامين نحو 1700 شهيد، تشير إلى أن عدد الشهداء المعلومة هوياتهم لدى الحملة والمؤسسات يبلغ 799 شهيدًا، كان آخرهم الشهيد فتحي خازم من جنين، الذي أُعدم داخل منزله، ولاحقًا احتُجز جثمانه.

ومن بين 799 شهيدًا معلومة هوياتهم، يوجد 256 شهيدًا محتجزًا في مقابر الأرقام، و99 شهيدًا من الأسرى، و81 طفلًا تقل أعمارهم عن 18 عامًا، إضافة إلى 10 شهيدات. وتكشف هذه الأرقام، بما تحمله من أسماء وأعمار وبيانات، عن اتساع نطاق سياسة احتجاز الجثامين، وعن كونها ليست ممارسة عرضية أو مرتبطة بحالات محددة، وإنما سياسة متواصلة استُخدمت على مدار عقود، وتفاقمت بصورة خطيرة في سياق جريمة الإبادة الجماعية وما رافقها من عمليات قتل واسعة، واختفاء قسري، واحتجاز للجثامين، وحرمان للعائلات من معرفة مصير أبنائها.

ولا يمكن التعامل مع هذه الأرقام بوصفها أرقامًا نهائية، إذ إن حجم الجريمة، ولا سيما في قطاع غزة، لا يزال غير مكتمل التوثيق. فاستمرار العدوان، ووجود آلاف المفقودين، وصعوبة الوصول إلى أماكن الضحايا، فضلًا عن استمرار سياسة الإخفاء القسري، تجعل من أعداد الجثامين المحتجزة والمفقودين أرقامًا قابلة للارتفاع، وتضع أمام الجهات الفلسطينية والدولية مهمة عاجلة تتمثل في الكشف عن مصير جميع الضحايا، وتحديد هوياتهم، وتوثيق ظروف وفاتهم ومكان احتجاز جثامينهم.

 

الاحتجاز ... حين يتحول الجثمان إلى أداة للسيطرة

إن احتجاز جثامين الشهداء يمثل أحد أكثر أشكال السيطرة قسوة، لأنه ينقل فعل "العقاب" من حياة الفلسطيني إلى ما بعد موته، ويجعل من الجسد نفسه وسيلة لإبقاء أثر الجريمة قائمًا. فالجريمة لا تتوقف عند قتل الفلسطيني، وإنما تمتد إلى حرمان عائلته من جثمانه، ومن حقها في وداعه ودفنه وفق معتقداتها، وتحويل لحظة الموت التي يفترض أن تكون نهاية للألم إلى بداية لمرحلة أخرى من الانتظار والقلق والحرمان.

ولا تقف هذه السياسة عند الاحتجاز، إذ ترافقها في حالات عديدة شروط وإجراءات تفرضها سلطات الاحتلال عند تسليم الجثامين، من بينها الدفن ليلًا، وتقييد أعداد المشيعين، وفرض حضور أمني مكثف، واشتراط كفالات مالية، أو نقل الجثمان إلى أماكن بعيدة عن العائلة. وبذلك، تتحول مراسم الوداع والدفن نفسها إلى مساحة إضافية لإعادة إنتاج السيطرة والقمع، حتى في أكثر اللحظات إنسانية وحساسية.

وفي هذا السياق، تثير قضية جثامين شهداء قطاع غزة التي جرى تسليمها، والبالغ عددها 930 جثمانًا وفق توثيق الحملة، أسئلة خطيرة حول ظروف احتجاز الجثامين والتعامل معها، وما إذا كانت قد تعرضت لانتهاكات تمس حرمة الموتى وكرامتهم، بما في ذلك ما أُثير حول احتمال سرقة الأعضاء، وما تستوجبه هذه القضية من ضرورة فتح تحقيق مستقل وشفاف، وضمان الوصول إلى الأدلة والبيانات الطبية والجنائية ذات الصلة، وعدم السماح بإغلاق هذا الملف قبل كشف الحقيقة كاملة.

من ممارسة عسكرية إلى سياسة ممنهجة

لم تبدأ سياسة احتجاز جثامين الشهداء مع المرحلة الراهنة، بل تعود جذورها إلى عقود طويلة من الاحتلال والانتداب البريطاني. فمنذ عام 1967، دُفن آلاف الفلسطينيين في ما عُرف بـ"مقابر الأرقام"، وهي مواقع سرية لا تتوافر للعائلات معلومات كافية عنها، بما أبقى مصير عدد كبير من الشهداء مجهولًا لسنوات طويلة.

وفي عام 2004، صدر توجيه قيّد هذه الممارسة مؤقتًا، إلا أنها عادت بصورة أكثر اتساعًا منذ عام 2015، استنادًا إلى أنظمة الطوارئ البريطانية لعام 1945. وفي عام 2017، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بعدم وجود أساس قانوني كافٍ لاحتجاز الجثامين، إلا أنها أرجأت تنفيذ قرارها ومنحت الحكومة فرصة لتوفير أساس تشريعي لهذه السياسة.

وفي عام 2018، عُدّل ما يسمى قانون "مكافحة الإرهاب" بما منح الشرطة صلاحية احتجاز جثامين الفلسطينيين، ثم عادت المحكمة العليا الإسرائيلية في عام 2019، في أعقاب التماس قدمه مركز القدس للمساعدة القانونية، إلى إجازة احتجاز الجثامين لأغراض "المساومة"، قبل أن يتوسع نطاق السياسة لاحقًا ليشمل فلسطينيين تتهمهم سلطات الاحتلال بتنفيذ عمليات.

وهكذا، انتقلت هذه الممارسة من كونها إجراءً استثنائيًا ومؤقتًا إلى سياسة تتكامل فيها الأوامر العسكرية مع التشريعات والقرارات القضائية، بما يكشف عن مسار ممنهج لتثبيت السيطرة على جثمان الشهيد، وتحويله إلى ورقة ضغط حتى بعد انتهاء حياته.

 

"حداد معلّق"

لا يمكن قياس آثار احتجاز الجثامين بالأيام أو السنوات التي يقضيها الجثمان بعيدًا عن عائلته فقط، لأن هذه السياسة تنتج شكلًا ممتدًا من الفقد، تُجبر خلاله العائلة على العيش في حالة من "الحداد المعلّق". فلا هي قادرة على توديع ابنها ودفنه، ولا هي قادرة على إغلاق دائرة الفقد والبدء بمسار الحزن الطبيعي.

إن غياب الجثمان يحرم العائلة من طقس الوداع، ومن الحق في إقامة مراسم الدفن وفق المعتقدات الدينية والاجتماعية، ويُبقي سؤال المصير حاضرًا بصورة يومية. وفي حالات عديدة، تتضاعف الصدمة عندما تُسلّم الجثامين وهي مجمدة أو تحمل آثار إصابات أو تشويه، بما يجعل لحظة استرداد الجثمان، التي يفترض أن تكون لحظة نهاية للانتظار، امتدادًا جديدًا للصدمة والألم.

وبذلك، يصبح احتجاز الجثمان شكلًا من أشكال العقاب الجماعي غير المباشر؛ إذ لا يتوقف أثر الجريمة عند الضحية، بل يمتد إلى عائلته، التي تُحرم من حقها في الحداد والدفن والوداع، وتبقى تحت وطأة الانتظار والاشتراط والإذلال.

 

انتهاك للكرامة الإنسانية وحقوق الموتى

إن احتجاز جثامين الشهداء وإخفاء مصيرهم يمس بصورة مباشرة مبدأ الكرامة الإنسانية، ويثير انتهاكات متعددة في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الالتزامات المتعلقة باحترام الموتى، والتعامل مع الجثامين بكرامة، وتمكين العائلات من معرفة مصير أقاربها، واحترام الحياة الأسرية والمعتقدات والممارسات الدينية.

كما أن استمرار احتجاز أعداد كبيرة من الجثامين، بالتزامن مع آلاف المفقودين في قطاع غزة، يفرض مسؤولية مضاعفة على المجتمع الدولي، ليس فقط في المطالبة بالكشف عن الأرقام، وإنما في ضمان آليات مستقلة للتحقيق والتوثيق والتعرف على الضحايا، والكشف عن أماكن الجثامين، وضمان استردادها وتسليمها إلى عائلاتها.

فـ1700 جثمان، وفق المعطيات التي كشفت عنها وسائل إعلام الاحتلال، لا تمثل رقمًا مجردًا؛ خلف كل جثمان عائلة تنتظر، واسم ينتظر أن يُستعاد، وقصة حياة توقفت، وحق إنساني ما زال معلقًا. كما أن كل جثمان مجهول المصير يعني أن الجريمة لم تُغلق، وأن آثارها لا تزال ممتدة في حياة عائلة تنتظر الحقيقة والعدالة.

 

الجريمة لا تنتهي بالموت

إن قضية جثامين الشهداء ليست قضية إنسانية منفصلة عن سياق الإبادة والقتل والإخفاء القسري، بل هي جزء من منظومة أوسع تستهدف الإنسان الفلسطيني في حياته وبعد موته، وتحاول التحكم حتى في الطريقة التي يُدفن بها، وفي قدرة عائلته على الحداد عليه.

ومن هنا، فإن المطلوب لا يقتصر على توثيق أعداد الجثامين أو إصدار البيانات بشأنها، بل يتطلب إنهاء سياسة احتجاز الجثامين، والكشف الفوري عن مصير جميع المفقودين، وتحديد أماكن الجثامين وهويات أصحابها، وضمان استردادها وتسليمها إلى عائلاتها، وفتح تحقيقات مستقلة في ظروف الوفاة والاحتجاز والتعامل مع الجثامين، بما في ذلك أي شبهات تتعلق بانتهاك حرمة الجسد أو التلاعب به.

إن استرداد جثامين الشهداء ليس مجرد مطلب لعائلات تنتظر أبناءها، بل هو معركة من أجل الحقيقة والكرامة والعدالة؛ لأن احترام الموتى واسترداد جثامينهم وحق عائلاتهم في وداعهم ودفنهم لا ينبغي أن يكون موضع مساومة أو تفاوض. وإن استمرار احتجاز الجثامين يعني أن الاحتلال لا يكتفي بالتحكم في حياة الفلسطيني، بل يسعى إلى إبقاء السيطرة قائمة على جسده حتى بعد الموت.

وعليه، فإن اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء يأتي هذا العام في ظل مسؤولية مضاعفة: تحويل قضية الجثامين والمفقودين من ملف مؤجل إلى قضية دولية عاجلة، وحشد أوسع تحرك فلسطيني ودولي لإنهاء هذه السياسة، ومساءلة المسؤولين عنها، وضمان حق كل عائلة في معرفة مصير ابنها واسترداد جثمانه ودفنه بما يصون كرامته وكرامة عائلته.

 

لنا أسماء... ولنا وطن

حرروا جثامين الشهداء الأسرى... حرروا الشهداء الأسرى

 


العودة للقائمة